عام جديد في سجن العمر

عام جديد في سجن العمر
29 ديسمبر 2015

عام جديد في سجن العمر

حازم هاشم

عندما يذهب عنا عام فائت، ويقبل علينا عام جديد، يتعجب بعض أقاربي وأصدقائي عندما أنطلق في سرد أسبابي في تسمية الاحتفال الذي اعتادته الناس لوداع العام الفائت والاستبشار بالعام الجديد بأن الأول الذي ينصرم هو إفراج عنا من «سجن العمر»!، وأما المقبل علينا فهو الاستئناف الذي ينذرنا بالقبول بعام جديد نقضيه في هذا السجن!، ومن يسمعني أقول ذلك يصفني بأنني «أتفلسف» أكثر من اللازم، وبعض آخر يتهمني بأنني متشائم أكثر من الذين يفرحون بمقدم العام الجديد، ومن هؤلاء وأولئك أسمع، ويستدرجني بعضهم إلي شرح أسباب ارتياحي لمضي العام الذي يودعنا، وأسفي في الوقت ذاته علي الإيذان بالعام الجديد. فأقول لهم إنني أزداد اقتناعاً كلما تقادم بي العمر بأن الأعوام ترهق صاحبها كان أسيراً لمتابعة الشئون والهموم العامة!، وأدلل علي صحة اعتقادي هذا بأنني أعرف كثيراً من الناس ينكفئ علي ذاته وشئونه فقط!، فأنت لا يمكنك أن تظفر منه بإجابة إذا سألته الرأي في شأن عام استجد!،وهو دائماً يذكر لك أنه لا يطالع الصحف، ولا يتابع شاشة التليفزيون إلا عند عرضها فيلماً قديماً مسلياً أو مسرحية هزلية، ولا يعنيه أن يتابع نشرات الأخبار التي تخلو ـ كما يراها ـ من أي خبر سار، وهو في نعمة كبيرة كما يقول، ويكفيه أنه يعني بالكشف الدوري الشامل علي جسده حتي لو لم يشعر بأي عارض، لكنه يؤكد لك أن أي علة يعانيها جسم الإنسان سببها إهتمامه بما لا يعنيه!، والكوارث والمتاعب التي تتراكم علي كل البلاد من أهم أسباب اعتلال الصحة وتعكير الصفو، ودون هذه كلها يستقيم العود وتزدهر الصحة، وقد ثبت لي من معاينة هذا الصنف من الناس أن ما ذهبوا إليه صواب!، ولكنني أحسدهم علي قدرتهم علي سير حياتهم هكذا، وقد أخفقت في أن أكون كذلك، فرضيت بالعيش مع الهم العام الذي استهلك عمري فلم أنتبه لنفسي!.

ومعني قدوم عام جديد أنني سوف أقضيه ـ إذا امتد بي الأجل ـ في الدوامة التي دوختني!، وبالصحة التي تضعضعت من طول ما تلقت وفزعت وروعت، ثم ما سوف يصدمني ويفجعني في أناس لم يكن يعنيهم مني غير مصالح لهم عندي فلما انقضت نفضوا أيديهم مني!، ولست أنكر أنني قد غنمت الكثير من ألوان المتعة والبهجة، سمعت الغناء الجيد وقت أن كان في مصر غناء، وتابعت فنوناً جميلة لمخلصين لما يفعلون، وشاهدت المسرح المصري في أوج ازدهاره قبل انكساره، وعشت أنعم بالهدوء سنوات طويلة قبل أن يداهمني الصخب، وهيأ لي الله الستر فلم أعرف مذلة السؤال، وعشت بإباء وشمم لا أعرف الانحناء، لكن الهم العام قد فعل بي ما فعل!، ولا أظن أن هناك ما يبشر بأن عاماً قادماً سيحمل لي ما يسر، إذ لدي ألف شاهد علي أن النذر لا تبشر، وأننا لم نقرر بعد - نحن جميع المواطنين - أن نعمل بلا كلل حتي نسعد معاً، فيخلو  وجه الوطن من الفساد والمفسدين.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان