ليتهم يعرفون الملل!

ليتهم يعرفون الملل!
17 يناير 2016

ليتهم يعرفون الملل!

حازم هاشم

تذكرت واحدة من نوادر العشاق يحكى عنه أنه كان يداوم على كتابة خطاب لزوجته من غربته بعيداً عن قريته حيث قدر له أن تكون لقمة عيشه فى العاصمة، وكان العاشق يكتب اسمه بالكاد!، ولكنه ظل مصراً على كتابة خطابه الى زوجته التى يحبها ويعشقها حيث هى قريبته وأم عياله ورفيقة عمره فى السراء والضراء، وقد تمرن حتى أجاد كتابة جملة واحدة يعبر بها عن شوقه للزوجة فيقول فيها: نحن من بعدكم فى ذل وهوان، يكتبها فقط ليوقع تحتها باسمه الذى تدرب على كتابته بخط مقروء، لكن الزوجة ـ وهى لا تعرف القراءة ـ كانت تحيل خطاب الزوج الى ابنها الذى أوشك على مفارقة المرحلة الابتدائية، فكان يقرأ لأمه الخطاب كلما وصل منه واحد!، وفى حين كانت الأم تسعد بخطاب الزوج المشتاق بجملته المقررة الوحيدة، إذا بالابن يقرأ لأمه الخطاب الذى وصلها فى الصباح، وما أن قرأ الصبى الجملة حتى صاح فى وجه أمه.. هوة أبويا حيفضل فى ذل وهدان لأمتى!، ولم يكن عند الابن ما يعبر به عن سأمه من الخطاب بجملته المكررة غير انفجار صيحته فى وجه أمه التى لم تفهم ما قال!

تذكرت هذه النادرة مع أننى لم أكن فى معرض ما يضحك!، بل كنت أتلقى الخبر الفاجع الذى حمل سقوط شاحنة النقل ذات المقطورة من أعلى كوبرى المنيب بحمولتها من الزلط، وحصيلة قتلى الحادث 8 قتلى و11 مصاباً، وفوق هذا سيارات بعض المواطنين من صنفى الأجرة والملاكى!، وفى حين أن كل الصحف قد أفاضت فى نشر التفاصيل وكيف وقعت الكارثة، ثم تولت القنوات الفضائية على طريقتها استضافة تشكيلات المسئولين ممن هم من ذوى الشأن فى دائرة النقل والمرور، ورغم كل هذا الركام من الصور والتصريحات والأسئلة والأجوبة فإننى وجدت نفسى لا أفارق نادرة «نحن من بعدكم فى ذل وهوان» التى شابهها ما أتى فى هذا الركام المقروء والمرئى والمسموع!، وكان موقفى مما ورد عن الحادث أشبه بحالة السأم التى أدت الى غضب الطفل وانفجاره صائحاً فى وجه أمه عن الوارد فى خطاب أبيه المعتاد بجملته الواحدة!، حتى كتابة السيناريو الذى يقع به حادث أى شاحنة بمقطورتها أصبحت فى ذاكرتى مجرد حلقة فى «فنية ارتكاب الحادث» مما أصبح علامة على مسيرة الشاحنات ذات المقطورة فى كل أنحاء البلاد!، ولم أشعر بأن هناك ما يختلف من  حادث لآخر حيث البطولة واحدة معقودة لمن يقود هذه الشاحنات!، وتتراوح نسبة إتقان ارتكاب كل حادث بحسب مدى اتقان قائد كل شاحنة لفنه فى ارتكاب الحادثة التى تخصه!، أما الحكاية فهى واحدة!، يحكونها لنا فى كل مرة!، يهرع عدد من وجهاء المسئولين الحكوميين الى حيث  مكان الحادث وفى صدارتهم السيد الوزير المحافظ، ثم يبدأ الحديث عن تسعيرة التعويضات لأهالى الضحايا والمصابين، لينفى هذا مسئولية الوزارة الفلانية عن تسيير «النقل أبومقطورة»!، ويؤكد آخر لمذيعة تليفزيونية تظين أن لؤمها سيوقعه فى فخها لكنه يفلت من الفخ بتأكيد أن كل ما تسأله فيه المذيعة ليس من اختصاصه!، وتحمل الصور بعض الصور لمسئول ينحنى عند رأس مصاب فيقبله فى حنو مصطنع، ولا يفوتنى فى هذا الشأن أن أقرر أننى قد أصبحت لا أعبأ بالتصريحات الواردة على ألسنة وجهاء المسئولين الحكوميين، وهم يقطعون بأن الحكومة لن تترك الشاحنات أم مقطورة تسعى فى أنحاء البلاد!، وأن استخدامها فى كافة الطرق لن يكون بالنهار!، بل يكون سيرها فى الليل فقط!، لم أعد أعبأ بهذه التصريحات!، لأننى شبعت منها كما شبع غيرى!، ولم يعد عندى أمل فى أى وعد حكومى لوقف «العربيات أم مقطورة لأن قوتها تأكدت بسحق كل الحكومات!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان