لن تمُت جميلة بوحريد

لن تمُت جميلة بوحريد
08 نوفمبر 2015

لن تمُت جميلة بوحريد

مصطفى عبيد

لم تمت جميلة بوحريد، لكن شائعة وفاتها أيقظت ضمائر الناعسين والناسين لمناضلين حقيقيين لم يطلبوا جزاء ولم ينتظروا شكوراً، وحاصرتهم العُزلة، وغمرهم النسيان، وهجرتهم الصحة مثل جميع الأنقياء الذين يتوارون خجلاً كى لا يحصدوا مقابل ثوريتهم.

جميلة عندى هى الرمز الأمثل لنضال المرأة العربية،  فخر تاء التأنيث فى الشرق المُضطهد، ثورة الضفائر ضد الغطرسة الاستعمارية، قبضة التحدى فى وجه القبح والانتهازية.

جميلة هى جميلة، مُبهرة، صبورة، صلبة، وقوية ونموذج طيب لنضال المرأة العربية، لا تحدثونا عن السيدات الأولى فى العالم العربى، الذين صاروا ملء العيون والآذان لأن أزواجهم اعتلوا السلطة بحق أو دون حق، واقرأوا تاريخ النضال والثورة العظيمة فى الجزائر قبل ستة عقود.

فى الثانية والعشرين قُبض عليها وهى تنقل رسائل الثورة، وتعرضت لتعذيب بشع لتعترف على قادة الثورة لكنها أبت، وقاومت الصعق والسلخ لأكثر من عشرين يوماً لتتحول إلى رمز للإباء والصمود، قبل أن يتم الحكم بإعدامها وتلقى تعاطف شرفاء الفرنسيين أنفسهم الذين تطوع أحدهم للدفاع عنها، بل المطالبة باستقلال الجزائر وتحويل مأساة جميلة إلى قضية انسانية عالمية، وقتها أجلت فرنسا إعدام المناضلة عدة مرات بسبب الضغوط الدولية، وبعد أن صدم ساستها قيام مثقفين فرنسيين بغناء النشيد الوطنى الجزائرى فى كل بقاع فرنسا، واضطرت إلى الإفراج عنها مع توقيع معاهدة إيفيان سنة 1962.

بعد التحرير لم تطلب المناضلة منصباً ولم تسعى للحصول علي نصيب من كعكة السلطة فى الدولة المُستقلة، وتوارت عن الأنظار بعد أن تزوجت محاميها الفرنسى الذى أشهر إسلامه وأنجبت طفلين وانسحبت تماما من المشهد.

فى سنة 2006 كُنت هُناك، وطلبت من إعلامى جزائرى صديق أن ألتقى بالسيدة الرمز التى أخبرنى أنها تقطن فى حى نائ بعيداً تماماً عن الأضواء، واعتذرت جميلة بأدب جم لأنها تُفضل ألا تتحدث عن مرضها وآلامها وعُزلتها لأن ذلك يجرح نقاء نضالها من أجل الوطن، كانت جميلة ترى أن قصتها شذرة ضئيلة فى نضال الحرية لبلدها وأن هُناك مَن هُن أكثر نضالاً وأعظم قدراً فى الثورة الجزائرية لكنهن لم يعرفن، كما أن كثيرين من رفقاء الثورة تحملوا عذاباً يفوق قدرات البشر وأعدموا فى السجون الفرنسية وهُم يُغنون:

«قسماً بالنازلات الماحقات/ والدماء الزاكيات الطاهرات/ والبنود اللامعات الخافقات/ في الجبال الشامخات الشاهقات/ نحن ثرنا فى حياة أو ممات/وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر/ فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا..».

احترمت رغبة السيدة العظيمة ولم أواصل إلحاحى متذكراً قول الشهيد  الأسطورة العربى بن مهيدى الذى سلخوا وجهه ليكشف سلاسل الثورة الجزائرية فأبى «أفضل أن أُقتل قبل أن تتحرر الجزائر حتى لا أشهد صراع الثوار على المناصب».

تلك أمة قد خلت، وهؤلاء مناضلون لا يتكررون، لكنهم أبداً لا يموتون.

والله أعلم.

 

 

Mostafawfd@hotmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان