فظيعٌ جهلُ ما يجرى

فظيعٌ جهلُ ما يجرى
15 نوفمبر 2015

فظيعٌ جهلُ ما يجرى

مصطفى عبيد

«فظيعٌ جهلُ ما يجرى، وأفظعُ منه أن تدرى» كما يقول الشاعر اليمنى عبدالله البردونى، فالمشهد موجع إن مر ولم تُدقق فيه، ومميت إن دققت فى تفاصيله حسرة على أُناس وبكاء على حضارة تترجرج أركانها.

الإسلام يُقصف بضراوة. تحولت كلمات المحبة إلى لُغم، وانقلبت تعاليم السماحة إلى دعوات للقتل المجانى، وصارت الجُثث هى سلالم الصعود إلى الجنة. ما جرى فى باريس ومن قبلها فى عدة مناطق وعواصم يؤكد أن الإسلام يتعرض لأكبر محنة فى تاريخه المُمتد عبر خمسة عشر قرناً.

تحريف رسالة الرسول وجعلها رسالة دموية أمر متوقع، لكن ما هو غير متوقع هو ذلك الانصباب صباً من جانب غير المسلمين فى الدين الجديد. تصوروا أن هُناك ألف فرنسى تركوا عالمهم الجميل وحيواتهم الرائقة والهانئة لينضموا إلى صفوف تنظيم «داعش»! تخيلوا كيف يُسارع الشباب الأوروبى أفواجاً للدخول فى زُمرة القتلة المُتأسلمين!

إن ذلك يعنى أن دُعاة الإسلام الطيبين لا يعملون، وأن القتلة الذين نعتبرهم جُهلاء وأغبياء أكثر قدرة على نشر دعوتهم باعتبارها الإسلام. أى عبث وجنون يجتاحنا ونحنُ لا نملك سوى الاعتذار عن سفك الدماء باسم الدين.

كتب الكاتب الكندى جيفرى سيمبسون أن الإسلام ينتحر. يُذبح بواسطة بنيه من المتطرفين والإرهابيين. فى تايلاند، العراق، سوريا، اليمن، ونيجيريا يتحول الدين إلى آلة قتل وتشويه وإرهاب. لقد تجاوز المتطرفون المسلمون عمليات القتل المعتادة لمخالفيهم سوءاً من البوذيين أو المسيحيين ليقتلعوا بعضهم البعض تحت لافتة «الجهاد».

ما خطه «سيمبسون» لاقى قبولاً وتأييداً بين كثير من المثقفين الغربيين الذين باتوا مقتنعين أن المسلمين إرهابيون بطبيعتهم حتى أن أحد مقدمى البرامج الشهيرة فى أمريكا ويدعى بيل ماهير قال: إن العالم الإسلامى لديه الكثير من القواسم المشتركة مع فكر «داعش». وقال آخر إن جميع الأفكار السيئة تخرج من المسلمين.

ما كتبه الكاتب الكندى فى صحيفة «جلوب آند ميل» يثير القلق، بينما ننشغل نحن المُسلمين بتوافه الأمور ونتابع ما يجرى فى بلاهة دون أن نُحرك ساكناً. قولوا لى ماذا فعل الرؤساء والملوك والأمراء المسلمون للإسلام فى ظل ذلك الزلزال البغيض؟ لقد تاجروا به تماماً كما فعلت جماعات الموت. انحاز بعضهم لمذاهب ضيقة، واشترى البعض الآخر شرعية حكمه بمساندة المؤسسات الدينية.

لقد كتبت من قبل أن داعش ابن شرعى للعقل العربى المكبّل. نتيجة مُستحقة لسكون الفكر، ونهاية حتمية لإغلاق باب الاجتهاد فى الدين عدة قرون. كتبت من قبل أن الفكر الدينى تجمّد حتى صرنا نفتش فتاوى لشيوخ المذاهب الأربعة لنعرف آراءهم فى أمور حياتنا. قلت إننا سنبكى على الإسلام بحق لو لم يعقد شيوخه ومفكروه تطبيعاً شاملاً بين الدين والحياة.

وها أنا أكتب مُجدداً عن مؤتمر إسلامى حاشد لقمع العُنف ودحض شُبهات الإرهاب عن نصوص الدين وشطب خلافات السُنة والشيعة واستعادة الحضارة الهاربة. تحركوا فستُسئلون. يوم لا ينفع مالٌ ولا جاهٌ ولا هيلمان. والله أعلم.

mostafawfd@hotmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان