استدعاء الحاكم «المَفرَمة»

استدعاء الحاكم «المَفرَمة»
22 نوفمبر 2015

استدعاء الحاكم «المَفرَمة»

مصطفى عبيد

استدعاء الحاكم «المَفرَمة»

أتفهم جيداً دعوات التكاتف والتضامن والاحتشاد مع الدولة لمواجهة أخطار عديدة تُحدق بالوطن، لكننى أستغرب دعوات مُصاحبة تستغل الوضع الحالى فى التحريض على الاستبداد.

 تُزعجنى صيحات عديدة منثورة بين السطور فى صفحات كبار الكتاب وضمن تويتات رموز النُخبة من عينة «أُفرم يا ريس.. اسحل يا افندم»، وكأن القمع والقهر هو الأداة الوحيدة لتحقيق الاستقرار، وأن القبضة الحديدية هى التى تعبر بالوطن نحو ضفاف التقدم.

يتصور هؤلاء أن تخويف وإرهاب المُشككين والمُنتقدين كفيل بإخراس الأصوات المُغايرة وحل أزمات الوطن إلى هؤلاء أحكى قصة وردت ضمن سيرة الرئيس الراحل صدام حسين التى كتبها فؤاد مطر . فى سنة 1979 استقال الرئيس أحمد حسن البكر، وبعد ستة أيام بالتمام عقد الرئيس صدام حسين مؤتمرا قوميا لحزب البعث، وفوجئ الحضور بمحيى عبد الحسين أمين عام مجلس قيادة الثورة العراقية يقوم ليقرأ بيان اعتراف بالتآمر ضد صدام حسين مع 68 قيادة من قيادات الحزب، وكلما ذكر اسماً يتم إخراجه من بين الحاضرين وإطلاق الرصاص عليه خارج القاعة. ثم ارتفع العدد إلى 450 قيادة من بينهم مهندسون ومحامون وضباط بالجيش وأساتذة جامعة. وكان من المُثير أن يخرج واحد بلا قيمة ولا كفاءة و تعليم، كان يعمل صبى توصيلات هو على حسن المجيد لينتقد صدام مؤكداً أنه «رحيم أكثر من اللازم، وأن الوطن لن يتقدم إلا بتصفيات أوسع». وكانت مكافأة ذلك الشخص مُنعدم الخبرات والإمكانيات أن تم تعيينه وزيراً للدفاع والداخلية ورئيسا للاستخبارات.

وباقى القصة تعرفونها جميعا، حيث ساد أهل الطاعة والثقة وحازوا المناصب والنفوذ على حساب أهل الكفاءة والموهبة، وأهدرت العراق التى حقق اقتصادها فى ذلك الوقت أعلى معدلات نمو فى العالم مواردها فى حروب وتصفيات وبطولات وهمية حتى انتهى العراق الحُلم إلى شراذم وطوائف مُفككة.

أى تنمية ينشدها هتيفة الأنظمة سوى زيادة حساباتهم فى البنوك الأجنبية؟ وأى استقرار يبغونه سوى تحصين فسادهم من المراقبة والمُساءلة باعتبارهم رجال الحاكم والموالين لذاته المُقدسة!

إن موبوتو سيسيكو حكم الكونغو الديمقراطية ثلاثين عاماً انتهت فى 1995 بفوضى صاخبة ومجاعة اقتصادية فر على أثرها إلى المغرب حيث توفى هُناك. لقد كان تلفزيون بلاده يقول كُل يوم للمواطنين «تعلموا أن تطيعوا وتغلقوا أفواهكم». وكان من الطريف ما ذكره فى أحد حواراته الصحفية فى المنفى بأنه ظل على رأس السُلطة ثلاثين عاما لكنه لم يشُق طريقاً واحدا لأن الأهالى كانوا سيستخدمونه للوصول إليه والإطاحة به.

لا تنمية أو استقرار حقيقى فى ظل صوت واحد، ورأى واحد، وتوجه واحد. لا تقدم للأمام ولافتات التخوين تطارد كُل مُختلف. لا تحديث لهذا الوطن، وُهناك مَن يُخوّن كُل مَن يتحدث لُغة أخرى.

خلق الله الحُكام لقضاء حوائج الناس، لمعاونتهم، لحل مشاكلهم، لرأب جراحهم، لتحقيق مصالحهم، ولدفعهم إلى الرُقى والتحضر.

أيها المُحرضون على القهر: الحاكم ليس «مَفرَمة»، إنه خادم، وموظف، وأجير عند الشعب.

والله أعلم.

mostafawfd@hotmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان