حكايات المثقف «الياى»

حكايات المثقف «الياى»
06 ديسمبر 2015

حكايات المثقف «الياى»

مصطفى عبيد

الحكايات مثيرة للاشمئزاز لكن روايتها واجبة فى زمن يتسابق فيه أنصاف المُثقفين نحو السُلطة، يُطبلون، ويُحسنون، ويُحرضون.

على فراش النهاية وقبل أيام من رحيله زاره الكاتب الصحفى أحمد عباس صالح، وكان الراحل الكبير موسى صبرى شديد الندم على خطوات مشاها فى رحاب السُلطة لا الناس. فوجئ «صالح « بصديقه يقول له «لقد خدعتنا السُلطة. استخدمتنا لدعمها دائماً».

الحكاية رواها الكاتب الكبير محمد العزبى فى كتابه الأخير «الصحافة والحُكام» ساردا كيف كانت نهاية كثير ممن سخروا أقلامهم لإرضاء أهل السُلطة. حكى أيضاً فى أسى كيف مات الكاتب على حمدى الجمال رئيس تحرير الأهرام السابق، بعد «قرصة ودن» سريعة من السادات.

لقد عيّن السادات «الجمال» رئيساً لمجلس إدارة وتحرير الأهرام عام 1975 ليصبح رقيباً على كُتاب اليسار الذين يخاصمون الرئيس. وفى يوم ما اتصل الرئيس السادات بالرجل مُعنفاً: كيف يكتب الكاتب «فلان» ما كتب، ثُم كال له الشتائم وكأنه خادم له، وبعدها بأيام سافر السادات إلى باريس ودعا رؤساء التحرير معه عدا «الجمال» الذى سارع إلى نائب الرئيس حسنى مبارك يسأله إن كان السادات غاضباً منه، فأخبره أنه لا يظن ذلك ونصحه بالسفر إلى باريس على نفقة الأهرام، وبالفعل حمل الرجل حقائبه وهبط إلى نفس فندق رؤساء التحرير المصاحبين للرئيس، لكنه فشل فى الحصول على غرفة لعدم وجود اسمه ضمن الوفد المرافق. ثُم اضطر رئيس تحرير الأهرام أن يحمل حقائبه مرة أخرى ويعود إلى القاهرة مُتعباً حزيناً قبل أن تفاجئه أزمة قلبية لتُنهى حياته.

أنا شخصياً أعرف أحدهم تاجر بالقضية الفلسطينية كمستثمر مُحترف، وصاحب أنظمة القتلة العرب، وكتب يوماً فى أحد كُتبه عن الرئيس مُبارك، «هذا زعيم يعى مصلحة شعبه ودور مصر القيادى» ثُم قدم بلاغاً للنائب العام ضد مُبارك بعد سقوطه، وتحدث مُعلنا أهمية الإخوان كفصيل سياسى وطنى، ثُم سماهم «خونة» بعد خلع رئيسهم محمد مرسى، وهو الآن يعزف مقطوعات من التغنى العظيم ببطل العروبة الرئيس السيسى.

الانحناء مُر كما يقول الشاعر الجميل أمل دنقل. ومرارته أنه يُحول الكاتب إلى ياى سلس، اشتراكى إن كانت السُلطة اشتراكية، عروبى إن تبنت شعار القومية العربية، وشعوبى إن رأت مصلحة الوطن فى الانفصال عن القضايا المُحيطة. هو رأسمالى لو دعمّت الدولة الرأسمالية، مُتأسلم يُحبذ طاعة ولى الأمر لو وصل المتأسلمون إلى الحكم، مُتأمرك لو رأى النظام أن الأمركة هى الحل.

ما مناسبة هذا الكلام الآن، فهؤلاء موجودون مُنذ بدايات الدول وسيبقون إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها؟ المناسبة أن «التطبيل» الأسخف استفز الشاعر الخلوق الاستاذ فاروق شوشة فدفعه أن يكتب فى الأسبوع الماضى قصيدة «خَدم»، فشكرا لليايات والمطبلاتية على هذا الاستفزاز الجميل.

يقول الشاعر الكبير فى قصيدته: «خَدم / خَدم / طائفة من بيننا / مجبولة على عبادة الصنم / تصنعه إن لم تجده لا تعيش دونه / مذعورة أن تُتهم / لعله ميراثها من القدم / ويؤجرون فى اتباع الشىء أو نقيضه / فى البيع والشراء / والجهاد والفساد / فى القبول والعدول / فى الكلام والصمم».

والله أعلى وأعلم.

mostafawfd@hotmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان