ثورة الجزائر مرة أخرى

ثورة الجزائر مرة أخرى
04 يناير 2016

ثورة الجزائر مرة أخرى

مصطفى عبيد

أبحث عن دبابيس منثورة فى غرفة مُظلمة.

التفتيش فى بواطن التاريخ هو خبزى الذى أحمله فوق رأسى لتأكل الطير منه. إزاحة الغبش، وكشف المخبوء، ورد الزور هدف فى حد ذاته عند قراءتى للتاريخ المصرى والعربى على السواء. وفى ظنى فإن مُهمة الكاتب هى البحث عن الحقيقة بدون حسابات أو توجهات مُسبقة.

كُنت قد كتبت فى الأسبوع الماضى عن ثورة الجزائر، وعن أحد قادتها الذى اختلف مع السُلطة بعد الاستقلال وعارض رؤساء الجزائر، واحداً بعد واحد، وحُكم عليه بالإعدام ثُم هرب إلى الخارج وهو حسين آيت أحمد الذى رحل قبل أيام فى المنفى ليعود إلى وطنه جُثماناً يواريه التُراب.

كانت وجهة نظرى أن الثوار إلى الأبد يخسرون لأن الثورة مرحلة مؤقتة تستهدف التغيير. وقُلت إن حسين آيت أحمد اختلف مع أحمد بن بلة واُتهم بالتمرد واعلان استقلال منطقة القبائل، وفوجئت باتصالات عديدة من الجزائر بعضها غاضب وبعضها عاتب يؤكد لى أصحابها أن حسين آيت أحمد جرى تشويهه وتقزيم دوره فى الثورة من قبل السُلطة الحاكمة بعد الاستقلال. وقال لى رمضانى سعيد أحد الباحثين المُهتمين بتاريخ الثورة إن حسين آيت أحمد لم يدع إلى استقلال منطقة القبائل وإن الاتهامات التى وجهت إليه استهدفت التشنيع عليه، مُضيفا وهو أحد الذين اقتربوا من الرجل إنه كان حريصا على وحدة التُراب الجزائرى. وأوضح أن بعض الذين سرقوا الثورة الجزائرية عظّموا أدوارهم، وادعوا لأنفسهم بطولات لم تحدُث، واتهموا زُملاءهم بالخيانة.

وهكذا التاريخ دائما فى بلادنا المقهورة، يُكتب كما يُريد له الحُكام أن يُكتب، تُمحى بطولات وتُستولد أخرى، وتتحول فيه تضحيات إلى كوارث، فيضحى اللصوص أبطالا، وينقلب الفدائيون إلى خونة.

إن ذلك لا يعنى أن نشطُب على كُل ما وصلنا من تأريخ لثورة التحرير الجزائرية، تلك الثورة التى أعتبرها أعنف وأعظم ثورة عربية ضد مُحتل أجنبى، لكنه يدفعنا إلى ضرورة الدعوة لكتابة التاريخ الحقيقى للثورة الجزائرية بموضوعية وحيادية. لقد أصدر بعض قادة وزُعماء جبهة التحرير الجزائرية مذّكراتهم وشهاداتهم، ولكن كثيرين رحلوا دون أن يقولوا كلماتهم، فضلا عن أن كتابة التاريخ تستلزم جهات علمية مُحايدة لا حسابات لديها ولا مصالح مُباشرة وهو أعظم تكريم من المُمكن أن تُقدمه الدولة الجزائرية إلى دماء الشهداء والتضحيات التى قدمها شعب عظيم على مدى سنوات طويلة.

وسلام على الشُهداء والله أعلى وأعلم.

mostafawfd@hotmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان