أن تكون مسيحياً

أن تكون مسيحياً
10 يناير 2016

أن تكون مسيحياً

مصطفى عبيد

هذا مقال صعب. كتبته مرتين وقرأته عدة مرات قبل أن يُزقزق كعصفور صغير فى سماوات النشر. الكتابة عن الأقباط وهمومهم أشبه بالسير على مسامير صدئة، فُكل كلمة تئول وكُل معنى يُحوّل، وما نقوله يُقول، وما نُفكر فيه يُساء الظن به.

شجاعتى على الكتابة فى هذا الشأن زرعتها زيارة الرئيس إلى الكاتدرائية لتهنئة المصريين المسيحيين بعيد الميلاد المجيد فى الاسبوع الماضى،على الرغم من نثرات تكررت هُنا وهُناك حول حُرمة التهنئة أو عدم جوازه لدى صف من الُلحى الوطنية.

ما أقوله بعيد عن السياسة والقول السهل بأننا نسيج واحد هو أن الجهل قد بنى خرائبه فى المُجتمع على مدى ثلاثة عقود فصارت الكراهية ديناً ، وأصبحت التقوى تمييزاً. فى مِصر اليوم هُناك ثقافة جمعية ترى المسيحى آخر أو غيرا وتنعته فى بعض الأحيان بلقب «خواجة» وكأن عدم وجوده فى ملة الإسلام يُخرجه من كونه مصرياً.

 فى الصعيد تحديداً وطبقاً لرواية «صياد الملائكة» للروائى هدرا جرجس فإن هُناك واقعا مُرا لكونك مسيحيا فى وطن أغلبيته أميون يتسيد لديهم الفكر الوهابى، ويحكمهم شيوخ غلاظ تسربوا إلى قيادة المُجتمع فى غفلة علماء الأزهر.

 يقول الأديب فى صراحة مُدهشة إن كلمات «خواجة»، «نصرانى»، «كافر» ألفاظ تطارده فى كل مكان كدليل على كونه مختلفاً، يتعرض لخيبة الأمل مرة ومرات، لكن أحدًا لايمد له يد المساعدة لينتشله من ذلك المستنقع العميق للكراهية، وحتى الحكومة ممثلة فى أجهزة الأمن تعمل ألف حساب للجماعات المتطرفة الملتفة حول عنق الوطن كحبل مشدود، ويُطلق الكاتب صيحته معتبرًا أزمة المسيحيين نتاج تردى مؤسسات الدولة بدءًا من الحكومة والأمن وحتى المسجد والكنيسة.

فى الأرياف والصعيد والأحياء الشعبية وبين الملايين التى قد لا تلتفت كثيرا لمغزى زيارة الرئيس للكاتدرائية يتمدد التعصب الوهابى الساكن أرفُف مساجدنا ومجالسنا مع موجات رجوع الشغيلة المصريين الذين سكنتهم بلاد النفط على مدى ثلاثة عقود مُتتالية .

 أفتح أحد الكُتب فى مسجد مجاور لأقرأ الشيخ بن باز يُفتى المصريين «لايجوز للمسلم ولا المسلمة مشاركة النصارى أو اليهود أو غيرهم من الكفرة في أعيادهم بل يجب ترك ذلك؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم، والرسول عليه الصلاة والسلام حذرنا من مشابهتهم والتخلق بأخلاقهم». (فتاوى الشيخ ابن باز الجزء السادس).

أتابع مُناقشات المُتدينين المُنقلبين على مكانة الأزهر فأسمعهم يُكررون قول ابن عُثيمين: «يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنئ بها غيره، لأن الله تعالى لايرضى بذلك، وإذا هنؤونا بأعيادهم فإننا لانجيبهم على ذلك،لأنها ليست بأعيادلنا، ولأنها أعياد لايرضاها الله تعالى، لأنها مبتدعة». (فتاوى الشيخ ابن عثيمين المجلد الثالث. باب الولاء والبراء)

هكذا الجهل ينشب أظفاره فى المُجتمع تحت لافتات التدين، وما هو تديُن إن يقولون إلا زورا. إنه من الجميل أن يتحرك الرئيس فى الطريق المُضاد، ومن العظيمٌ أن تُقاوم الدولة توهُب الدين، لكن الأهم هو إيقاظ المُجتمع كله وقرع أجراس التنبيه. إن ما فعله الرئيس خطوة واحدة من ألف خطوة تستلزم محو التمييز الدينى من المُجتمع، وهو ما لن يتحقق إلا بخطوات جادة لوقف تدفق الوهابية البدوية إلى مصر. والله أعلم.

 

mostafawfd@hotmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان