درس ياسر رزق
17 يناير 2016

درس ياسر رزق

مصطفى عبيد

«هذا الزحام لا أحد» كما يقول المبدع الجميل صلاح عبدالصبور، رضى الله عنه وأرضاه، بما ترك لنا من حدائق الجمال اللغوى.

ضجيج الصحافة، ودوشة الميديا، ورُكام الكتابات الركيكة تطغى على مشهد الإعلام فى ظل فترة احلال لنظام جديد يبنى دعائم دولته.

غُثاء منثور يميناً ويساراً فى صحف حكومية وغير حكومية، شائعات تردد وتفخخ فى مانشيتات ومقالات لا حصر لها، اتهامات وتحريض سافر للنظام على خصومه والمُختلفين معه، تطبيل وتقديس كريه للرئيس لم يطلبه أو يُشجع عليه فى زمن يحتاج فيه كل مسئول لنصائح وكشف ولفت نظر، قُبح يفوح من شلة مُنتفعين يُقدمون أنفسهم باعتبارهم صوت النظام الجديد ورجاله.

كل ذلك يبعث على الإحباط ويدفع إلى القنوط، لا أمل للصعود على سلالم التنمية وهناك كل هؤلاء الطبالين، لا طريق مُمهد نحو مصاف الأقوياء ولدينا كل هؤلاء الشتامين والمحرضين والوُشاة، لا مجال للحرية فى ظل تخويف دائم ومُتكرر من مؤامرات الغرب والشرق واليمين واليسار والعالم أجمع.

إحباط يضرب كُل مَن يكتُب بنقاء، وقلق يُطارد كُل مَن يتوخى مصلحة الوطن، لكن يشاء الله أن يفتح نوافذ لنسائم الصدق والأخلاق لتطل بين الفينة والأخرى، سرساب من الأمل يتسلل رويداً ليُحفزنا أن نُقاوم ونقف رافضين لُقبح الهتيفة وضلال المتقوسين، بصيص من الجمال يمُر بين سراديب العتمة صادحاً بالنُبل والقيم النادرة التى غابت عقوداً عن بلاط صاحبة الجلالة.

ما خطه الزميل ياسر رزق رئيس تحرير جريدة الأخبار قبل أيام اعتذاراً للقراء عن عنوان صادم أُلصق بمحمد بديع مُرشد جماعة الإخوان يُجدد الثقة فى منظومة أخلاق غابت كثيراً عن بلاط صاحبة الجلالة فى ظل استسهال السب واللعن، كانت «الأخبار» قد وصفت المرشد بأنه «اتفتق» لأنه مُصاب بمرض الفتاق، وهو وصف لا يُجافى الحقيقة، لكن البعض اشتم فيه رائحة الشماتة والسخرية من مُتهم محبوس على ذمة عدة قضايا.

أذهلتنى شجاعة ياسر رزق ونُبله عندما كتب فى اليوم التالى: «إنني لم أسترح لهذا الفهم غير المقصود حتي ولو أسعد قطاعاً من القراء وأجد عليّ لزاماً مني بالاستقامة الشخصية والمهنية أن أعتذر للدكتور محمد بديع إن كان شعر وأسرته بإساءة شخصية، من العنوان الذي كتبته، وأتمني له صادق الشفاء، وأنا أعتذر من قبله وبعده لمن فهم العنوان علي غير ما قصدت».

مثل هذا التصرُف يرُد لى كثيراً من الأمل فى أخلاقيات حسبتها اندثرت فى زمن يستبيح فيه كثيرون الأنفُس والأعراض والحقائق  تصورا منهم أنهم يُدعمون بذلك السُلطة، يسبون ويلعنون ويشمتون، موحين للنظام بأنهم لسانه وميكروفونه وقلمه، وما هم كذلك يقيناً،

إن أحداً لا يستطيع أن يزايد على ياسر رزق وموقفه من حُكم الجماعة المُتأسلمة، فالرجل انتقدها فى زمن تسلطها وأُبعد بسبب ذلك، وخاض معارك صحفية جريئة ضد انفلاتها وتقزيمها لمصر، لكنه أبى أن يسخر من  قائد تلك الجماعة لأنه مريض وقدم له الاعتذاز.

هذا هو درس ياسر رزق لحضرات الزملاء المُحترمين، وهو فى ظنى فعل يتسق كثيرا مع أخلاقيات رأس الدولة الذى لم يعرف إلا مُهذباً حتى فى حديثه عن خصومه والمُحرضين ضده، وزميلنا ياسر رزق فى تصورى هو الصحفى الأقرب للرئيس، واعتذاره الأخير ليس خصماً من مكانته وإنما يُبرهن أنه يستحقها.

والله أعلم.

 

 

mostafawfd@hotmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان