الحياة بالتقسيط

الحياة بالتقسيط
29 نوفمبر 2015

الحياة بالتقسيط

ناصر فياض

صار المصري، يعيش حياته بالتقسيط، حياة كلها فواتير، وباتت الفاتورة تسبب هماً وغماً ونكداً لكل رب أسرة، وأصبحت الحياة التي أنعم الله علينا بها، عذاباً لدي السواد الأعظم من الناس، غرقت الأسر في بحر الفواتير، بدءاً من الفاتورة الأشهر، وهي الكهرباء، ومروراً بفواتير المياه، والتليفون، والغاز، والإنترنت، والإيجار، والصيانة، واتحاد الشاغلين، والنظافة، والبواب، وانتهاء بفواتير أكثر خطراً علي الدخل، وهي فواتير شراء الأجهزة الكهربائية كالغسالة والبوتاجاز والثلاجة والمنزلية بأنواعها المختلفة، التي تصل إلي تقسيط عفش البيت، إلي فواتير تسدد شهرياً، وربما تصل الفواتير إلي تعاملات البيع والشراء من المحلات والمولات والصيدليات، والسيارات، وكل ذلك كوم، والدروس الخصوصية كوم آخر، يكاد لا يكفي كل الدخل لسداد فواتير الدروس الخصوصية، نحن نمر بحالة غير مسبوقة، في مسألة الدروس الخصوصية، وزد علي ذلك تقسيط قسط ومصاريف المدارس الخاصة.

نحن أمام حالة نادرة، وغير مسبوقة، يظل المرء طوال حياته، مديوناً، مهموماً، لن يفوق، ولو يوماً واحداً، وصار الدين أو القسط، هماً بالليل، وذلاً بالنهار.. وأعتقد أن الأسرة المصرية، تمر بظروف مالية قاهرة، الأب يعمل ليل نهار، والزوجة تسانده، وتوفر له سبل الراحة في بيته، وتجتهد في توفير النفقات، وحسن تربية الأولاد، ولكن بعض السيدات، يرفضن مشاركة الزوج همومه، يتركن البيت والأولاد، ويعملن خارج البيت، وبعد أن يقبضن المرتب، يرفضن مشاركة الزوج  في الإنفاقات، حتي ولو مشاركة رمزية، ويتركن الزوج يواجه أعباء مالية ضخمة وثقيلة، وقد لا يكفي دخله طموحات زوجته، فتحدث الخلافات التي تفضي في النهاية إلي الطلاق للأسف الشديد، والإحصائيات تكشف عن ارتفاع غير مسبوق في معدلات الطلاق، خصوصاً بين حديثي الزواج، المشهد أمامي يقول إننا في بداية خلل في المجتمع، سببه الرئيسي العجز المالي، واتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، علي مستوي الدولة والأسرة، مشهد ربما غير متفائل إذا تحدثنا عن أزمة العاطلين من الشباب، وربما متفائل إذا صدقت وعود الحكومة في إجراء إصلاحات اقتصادية جادة وسريعة، لا نريد ترديد المثل القائل «أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك أتعجب»، الوضع جد خطير لا يعقل أن يعيش شعب بالتقسيط، لا يعقل أن تسيطر ترسانة الفواتير علي حياة الناس، لا يمكن تصور مجتمع عاجز عن مجرد الحصول علي الحد الأدني من الحياة الآدمية.

ربما نصدق الحال الذي وصلنا إليه، عند الاطلاع علي إحصائيات دولية، تشير إلي تراجع جودة التعليم في مصر إلي المركز قبل الأخير في تدني الخدمة التعليمية، رقم 139، من بين 140 دولة، التدني علي حد سواء في المدارس أو الجامعات، وارتفاع نسبة الفقر المدقع إلي أكثر من 50%، ونسبة الأمية إلي 42%، وتحقيق أرقام قياسية وفقاً للمعدلات العالمية، في الإصابة بالفيروسات الكبدية وأمراض الكلي، لا نريد بث اليأس في النفوس، بل نبحث عن التفاؤل، في أي اتجاه، ولا نريد تحميل أولي الأمر كل شىء، لأن المشهد تراكمي منذ سنوات عديدة مضت، ولكن لابد من الاعتراف بأننا علي خط حساس، لا يقبل مزيداً من التدهور، في حين يقبل أي عملية إصلاح، والآن نري في الأفق مؤشرات محسوسة للإصلاح، لابد لنا أن ندعمها، ونقف وراءها لا نتفرج، بل نشارك في البناء والإنتاج، ونساهم في بناء البلد، انتهي عصر الكسل والسلبية، ودقت ساعة العمل، لا مفر من ترك الكلام، والهرولة نحو الإنتاج.

 

 

‏nasserfayad@yahoo.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان