ما لا أفهمه في الموازنة!

ما لا أفهمه في الموازنة!
27 ديسمبر 2015

ما لا أفهمه في الموازنة!

ناصر فياض

أفهم أن تستدين أي دولة، لإصلاح المصانع، وتجديد عجلة الانتاج. وتشغيل شبابها، وتضع جدولاً زمنياً لسداد ديونها، بما لا يؤثر علي عجلة الانتاج، ولا أفهم أن تستدين الدولة، لسداد مرتبات، أو لإنفاق «السلف» علي مشروعات استهلاكية و«أكل وشراب» لا تدر عائدا، يا أهل الاقتصاد أفيدونا يرحمكم الله، حسب علمي من أهل الشأن، ومن خلال متابعة نشاط مجلس الوزراء، نجد أن الحكومة تسابق الزمن للحصول علي أكبر قيمة من القروض، كلها لسداد مستحقات خدمية، وليست لدعم الانتاج، أو لتدوير المصانع المتوقفة، بل لسداد مستحقات رواتب، ومقاولين، ومشروعات، وشراء مستلزمات خدمية، ودعم الشق الخدمي في الموازنة، ومساندة ميزان المدفوعات.

الشطارة ربما نجدها في دول فعلت المستحيل، تقدمت وشقت طريقها، وصارت من عمالقة الدول في الانتاج، وفلتت من الغرق في بحر الاستدانة، ونجت من جلادي الجهات الدولية المقرضة والمانحة، أما نحن نعيش مأساة، ليست صناعة اليوم، بل تراكمات فوق تراكمات، تخيلوا ربع الموازنة تخصص كل عام لسداد فوائد الديون، وليست الديون نفسها، إذن نحن أمام كارثة تقول إننا نلهث لأجل سداد فوائد الديون، أما أصل الدين فهو جاثم فوق صدورنا، بلا حل، وغالبا سوف ترحل الديون القديمة والحالية، الي أبنائنا وأحفادنا، ربما لا يرضون علينا وعلي حكامنا، فما ذنبهم أن يتحملوا أوزار غيرهم، التاريخ لن ينصفنا أمام الاجيال القادمة بسبب ما اقترفناه في حقهم، لقد قطعنا علي كل طفل في بطن أمه، دينا عليه أن يسدده، قبل أن يرحل الي الدار الآخرة.

الحال بعد كل استدانة، اننا مازلنا نتلمس طريقنا، مازلنا نعيش عالة علي غيرنا، وليس أنفسنا، نعيش من قوت غيرنا، ومن صناعته، ومن جهده وعنائه، وكما قلنا لا نفرح بالاستدانة، لأن الشطارة في السداد، الطبيعي أن القرش يأتي بقرشين، من خلال مشروع انتاجي، وليس للأكل والشرب فقط، نسدد من الارباح ما علينا، الحقيقة اننا نتحدث عن تركة ثقيلة، ديون في ديون، تخيلوا لو أن ٢٥٪ من الموازنة السنوية، وتعادل ما يزيد على ٢٥٠ مليار جنيه، خصصت لعلاج مشكلة البطالة، أو اصلاح التعليم، أو العلاج، أو السكن وما الي ذلك من اجراءات خدمية، في أشد الحاجة إليها. لنتخيل أيضا أن الموازنة الأخيرة بها عجز بلغ ٣٧ مليار دولار، بما يعادل ٢٥٠ مليار جنيه، هذا طبعا بعد التخفيض، الذي طلبه الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتقليل العجز.

المؤسف أن الموازنة في مصر تكاد تكون خالية من مخصص الصناعة والانتاج، ببساطة الموازنة مقسمة علي ٤ أقسام، الأول: لسداد فوائد الديون، الثاني: سداد مرتبات، الثالث: دعم اجتماعي، الرابع: مخصصات الوزارات، إذن فين الانتاج؟، عندنا معظم الحقائب الوزارية، خدمية، تستهلك معظم المخصصات، المتبقية من الموازنة. لا مخصصات لتشغيل المصانع، ولا مخصصات للبحث العلمي، ولا لتبني المخترعات الجديدة، لدينا مثلا ١٢٠٠ مصنع متوقف، منذ ٥ سنوات، ولم ترصد أي موازنة، أي حسابات للانتاج وتشغيل المصانع، كيف؟ لا أدري، حتي الموازنة الجديدة، لا أعتقد أن فيها جديداً، رغم أبواق وزراء المجموعة الاقتصادية، التي لا تتوقف عن الكلام في دعم الانتاج، وتشغيل المصانع، دون أن نرى أي ترجمة علي أرض الواقع، تعاقبت الحكومات وكثر الكلام، ولم تعمل المصانع المتوقفة، حتي الحكومة الحالية، لم تهتم بالانتاج، قدر اهتمامها بالخدمات، تصريحات المهندس شريف اسماعيل، كلها عن الخدمات، والاكل والشرب فقط، ونتج عن هذا عدم اهتمام الناس بهذا البرنامج، الذي يعرض علي مجلس النواب، البرنامج فيه أجزاء شفوية كثيرة، بعيدا عن برامج محددة، وتوقيتات معينة، ومخصصات مالية واضحة. صدقوني الشعب مل من الكلام، دون أن يقابله عمل. وعلي البرلمان الجديد أن يأخذ وقته الكافي في قراءة برنامج الحكومة. قبل الحكم عليه. لأن البرنامج يحدد مصير بلد. ومستقبل أمة.

 

nasserfayad@yahoo.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان