ملياردير الفقراء

ملياردير الفقراء
17 يناير 2016

ملياردير الفقراء

ناصر فياض

مات الحاج صلاح عطية، فاعل الخير، ملياردير الفقراء والمساكين والمحتاجين، مات القدوة والأب، والمعلم، ولمن لا يعلم، هذا الرجل ولد في أسرة فقيرة، في ريف الدقهلية، «تفهنا الأشراف» حصل علي بكالوريوس الزراعة عام 71، عمل أجيراً في الصيف، وفي دودة القطن، كي يكمل تعليمه، ويساعد أسرته، عمل مدرساً في مدرسة ميت غمر الزراعية، وفي نهاية السبعينيات من القرن الماضي، فكر مع رفيق عمره الحاج صلاح خضر، في العمل في مجال تربية الدواجن، ولكن لم يكن لديهما أموال، فاضطرا إلي التعاون مع عدد من شباب القرية، واستكملوا بالكاد 200 جنيه، لتكون بداية الطريق إلي عالم المليارات، وخصصوا 10% من الأرباح، لوجه الله بناء علي طلب صلاح عطية، اتسعت المشروعات، وفي المقابل زادت القيمة المخصصة لأعمال الخير، بلغت 100%، هذا الرجل زهد الدنيا، بما فيها، فهرولت إليه بكل مباهجها، تمني الموت شهيداً خلال مشاركته في حرب أكتوبر 73، استشهد كل من معه، وخرج وحيداً سليماً، تمني الشهادة خلال عملية زراعة كبد في ألمانيا، وخرج منها معافي، لدرجة أن أطباء ألمانيا اندهشوا من معنوياته المرتفعة التي ساهمت في النجاح الكامل للعملية، وكأن  الله سبحانه ادخره للعمل الصالح، حيث خصص كل دخله لله، لم ينشئ فضائية، للثرثرة، والكلام الفاضي، ولم ينشئ جامعة أو مدرسة خاصة يستثمر فيها أمواله ويتربح منها، كل ما أنشأه كان استثماراً مع الله فانهال عليه الرزق الوفير، بلا حدود، وصار رجلاً منتجاً، وعلما بين أعلام العالم في مجاله، ولم يهزه منصب، أو سلطان، كان سيفاً في الحق.

هذا الرجل، المحترم، كان نموذجاً فريداً، رجل دنيا ودين، ناجح في استثماراته وتجارته، أحبه رجال الصناعة في العالم، كان في زيارته الخارجية، مبهراً للجميع، يجيد الإنحليزية بطلاقة، ويجيد فن التعامل مع الآخرين، دفع الخواجات إلي تفضيل التعامل معه دون غيره، وفي شأن الدين، كان رجلاً فريداً في زهده وعبادته، أبهر الجميع أيضاً ببساطته، لم يكن مميزاً عن الناس، يأكل ويشرب، ويقرأ القرآن، ويحضر حلقات العلم، كانت تبرعاته لمن يستحق، فتح أبواب الرزق للجميع، هداياه معظمها كتب دينية ومصاحف، وكتب تراث وحضارة، كان شديد الذكاء، لم ينفق مليماً واحداً إلا في عمل مفيد، وفي نفس الوقت يبحث في أنحاء المعمورة عن أماكن الفقراء والمحتاجين، ويذهب إليهم منفرداً، ويبحث عن الحالات الإنسانية، شيد جامعة مصغرة للأزهر الشريف، في قريته وأنفق عليها، وخصص كل أرباح مصانعه وشركاته، لوجه الله، أقام مئات المعاهد الأزهرية في مصر والعالم الإسلامي، يكفي أن المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي كانت تعرف قدره، كانوا يقدرون هذا الرجل وقد دعي إلي التكريم في العديد من الدول وكان يرفض، المدهش أن بلده مصر لم تكرمه، رغم مشروعاته الخيرية في كافة ربوع الوطن، إذا كانت المسألة حب مصر، فإن هذا الرجل، يستحق أعلي وسام، وأغلي ميدالية، وأرفع تقدير في حب مصر، متأكد أنه لا يوجد فيك يا مصر - مع احترامي للجميع - من دفع كل ما يملك لله والوطن، يا خلق الله، هذا الرجل ترك الدنيا، بلا مليم واحد، ملياراته كلها مشروعات لله، واسألوا شيخ الأزهر الحالي والسابق والأسبق، علي مدار الأربعين عاماً الماضية.

هذا الرجل، أعتبره إنساناً من زمن الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم، أعرفه جيداً، وأهلي يعرفونه، أحببناه أنا وأسرتي، وأحبه والدي وشقيقي الأكبر رحمهما الله، بحكم مشروعهما في تربية الدواجن، بالنسبة لي لا أنكر شرف التعلم منه، والتلمذة علي يديه، كان مليارديراً شديد التقشف، بساطته المطلقة، أذهلت الجميع، كنت أبحث عن قدوة فوجدتها في هذا الرجل، والله لم أنس نصائحه الدائمة لي، وخوفه الشديد علي، هذا الرجل لم يرزقه الله الولد، ولكن رزقه آلاف الأبناء، وأنا واحد منهم، رحمه وأحسن مثواه، دعك من صور جنازته التي هزت الدنيا كلها، ولكن انظر إلي خدماته ومشروعاته الدائمة، التي وهبها جميعا لله، رحمه الله، ورحم كل موتانا، وما قصدته من هذه السطور، ليس سوي استخلاص العبر والعظات، لي ولمن يرغب، في زمن ضاعت فيه القدوة الحسنة.

nasserfayad@yahoo.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان